الجمعة، 8 مايو، 2009

إشكالية المنهج في اللسانيات الحديثة

تميزت الفترة الممتدة بين أواخر القرن التاسع عشر وما بعد الحرب العالمية الثانية بتراكم كبير في مجال الدراسات اللغوية، واذا كان من الصعب تصنيف هذه الدراسات في خانات معينة ، انطلاقا من معايير محددة ، فانه يمكن أن نميز ، على الأقل ، بين مدرستين فيما يخص المناهج المعتمدة في دراسة وتحليل المواد اللغوية وما يرتبط بها من صيرورات ذهنية وعوامل فيزيولوجية ومؤثرات خارجية. في هذا الإطار تندرج محاولة عقد مقارنة بين اتجاهين يعتبران من اكبر الاتجاهات اللسانية الحديثة انتاجا واستهلاكا. ويتعلق الأمر بالمدرستين : البنيوية والتوليدية .ما هي اذن الأسس المعرفية والفلسفية لكل منهما ؟ ما هي منطلقاتهما المنهجية ؟ ما هي أساليب تحليلهما للظاهرة اللغوية ؟ وما هي أوجه التشابه والاختلاف بينهما ؟ هذه مجرد أسئلة نحاول الإجابة عنها ونحن نستهدف بالدرجة الأولى المتلقي العادي ،غير المتخصص ، الذي نعتبره في حاجة الى المعرفة اللسانية التمهيدية بطريقة بيداغوجية مبسطة. 1 – تحديدات أولية مفاهيمية1 -1 : مفهوم المنهج : ان كلمة منهج مستمدة من الكلمة اليونانية (Meta-hodos) ؛ ومعناها الطريق أو النهج الذي يؤدي الى هدف ما. وفي اللغة العربية ،المنهج هو الطريق الواضح. ويبدو أن آرسطو هو أول من استعمل كلمة " منهج "، وأسسه على دعامتين : الأولى منطقية تبدأ بالمسلمات ثم تنتقل الى طبقات الاستنتاج المنطقى الصارم لتنتهي بالنتائج ؛ والثانية دعامة اجرائية تبدأ بالمشاهدة الدقيقة ، ثم تنتقل الى استنباط التعميمات في سلم تتصاعد درجاته حتى تصل الى المبادئ الأولية1 . ويعني هذا التصور الآرسطي أن الباحث يكتشف بالاستقراء ثم يؤسس معرفته في شكل استنتاج. وفي بداية العصر الحديث ظهرت نظريات متعددة في المنهج على يد كل من فرنسيس بيكون وروني ديكارت وبرتراند راسل وميل ستيوارت. يركز بيكون في مؤلفه ( الأورغانون الجديد ) على الاستقراء التجريبي الذي يعتمد على الملاحظة والمشاهدة ثم القيام بمختلف انواع التجارب ، خلافا لصاحب الاورعانون (ارسطو ) ، الذي ينطلق من معطيات نظرية. أما ديكارت فانه يركز على التحليل والتركيب. وحتى لا نغوض في اشكالية التعريف ونتطرق لإشكالية التطبيق في حقل الدراسة اللسانية، نقترح التعريف التالي للمنهج :" المنهج هو مجموع العمليات العقلية والخطوات العملية التي يقوم بها الباحث يهدف الكشف عن الحقيقة او البرهنة عليها بطريقة واضحة وبديهية تجعل المتلقي يستوعب الخطاب دون أن يضطر الى تبنيه2 ". ويتضمن هذا التعريف الذي نقترحه الجانب العقلي والجانب العملي في الممارسة. وهذه الازدواجية تقودنا الى طرح الحديث عن منهجين هما :
1-2 : المنهج الاستقرائي : الاستقراء هو كل استدلال ينتقل فيه الباحث من الخاص الى العام، أو من الجزء الى الكل، أو من المحسوس الى المجرد 3. ويعتمد الاستقراء على الوصف الذي يعني عند اللسانيين البنيويين " رصد ما نلاحظه من الأشياء، والوقائع والظواهر ، وما ندركه بينها من علاقات متبادلة، وتصنيفها وتصنيف خصائصها، وترتيبها واكتشاف الارتباط بينها، إنه كشف دلالات المعطيات الحسية بالاعتماد على الملاحظة والتجربة، ودراسة ما بينها من علاقات متبادلة.4 ويتضمن الدليل الاستقرائي استنتاجا علميا يقوم على اساس الملاحظة والتجربة، فالملاحظة تقتضي في المنهج الاستقرائي أن يبقى الباحث أو الذات العارفة خارج الظاهرة اللغوية التي يدرسها ويكتفي بمشاهدتها كما تقع في الطبيعة أو كما هي واقعة طبيعية. وهكذا فإن الباحث الذي يطبق المنهج الاستقرائي ينطلق من الواقع ليصل الى النظرية.1-3: المنهج الاستنباطي : الاستنباط عملية استدلالية تنتقل من العام الى الخاص، أو من الكل الى الجزء. والمنهج الاستنباطي منهج يقوم على التأمل والاستنتاج انطلاقا من أفكار وتصورات قبلية، ويختلف المنهج الاستنباطي عن المنهج الاستقرائي في كونه لا ينطلق مباشرة من ملاحظة المواد اللغوية ووصفها وصفا محايدا، ولكنه يسعى الى بناء نظريات يرى انها قادرة على تفسير العالم الواقعي، أي جميع لغات العالم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق