الجمعة، 8 مايو، 2009

مناهج البحث الجغرافي


الملخص
علم الجغرافيا علم له أهميته وخطورته بين العلوم المختلفة البحتة والتطبيقية ، ويتميز بأنه يملك نظرية معرفة متطورة ، كما أن منهجياته مرنة تسمح بقدرتها الفائقة على استيعاب المتغيرات الفكرية المستحدثة ، فى نفس الوقت استوعب كل التقنيات والأدوات البحثية الجديدة فى رحلة تطور الفكر الإنسانى.فقد تطورت أدوات البحث الجغرافي من الرحلة عبر المكان إلى الصورة الفوتوغرافية الأرضية إلى الصور الجوية ، وأخيراً الصور الفضائية، واستتبع استحداث الأدوات البحثية فى علم الجغرافيا تطور طرق التقنية من الأسلوب الكلامى والكمى والكارتوجرافي ، إلى التحليل الإسترياسكوبى للصور الجوية إلى ابتكار نظم المعلومات الجغرافية فى تحليل البيانات المشتقة من الصور الفضائية.مزيد...
ونظراً لتغير أدوات البحث وطرق التقنية الجغرافية اختلفت منهجيات البحث الجغرافى فى رحلة تطور الفكر الجغرافى لتستوعب الأهداف الجديدة ، ويستفيد العلم الجغرافى من الآفاق التى تحددها الأدوات وطرق التقنية المعاصرة ، ولكى يرسم علم الجغرافيا لنفسه إطار موقعه بين العلوم المختلفة ، ويحدد أهميته فى تطور الحياة والمجتمع.ولقد مر علم المنهج الجغرافى بثلاث مراحل تطورية واضحة ، تغيرت فى كل منها جزئياً مفهوم العلم وأدوات بحثه وطرق التقنية ومنهجيته ونتائجه.أولاً: مرحلة الشرح والتفسير:ووصلت فيه الجغرافيا إلى أوج عظمتها بكتابات هارتسهورن فى 1957 ، وقد قدمت هذه المرحلة تفسيرات وشروح دقيقة للظاهرات الجغرافية فى الأمكنة ، ويعاب على تلك المرحلة أن الحصيلة الفكرية للعلم تتصف بالسردية والوصفية، وأن نتائجها غير حاسمة وقابلة للتأويل ، واقتصرت منهجيات تلك المرحلة على كشف التباينات المكانية، وتفسير أسباب تباينات الصور التوزيعية للظاهرات الجغرافية بالأمكنة وتأثيراتها المتتابعة.ثانياً: مرحلة انتاج القوانين العلمية للظاهرات المكانية:واقتبست الجغرافيا فيها مناهج العلوم الطبيعية فى كل من الاتجاه نحو التحقق والتجريب والتوسع فى عمليات القياس والتقييم ، بهدف التنظير والنمذجة وإنتاج القوانين التى تساعد على التنبؤ بمستقبل الظاهرات الجغرافية بالأمكنة.ثالثاً: الحركات المناوئة للثورة الوضعية:وقد تعاملت منهجيات الحركة الوضعية مع السلوكيات الإنسانية ، مثل السلوكيات التى تحكم حركة المواد فى العلوم الطبيعية ، وقد حفزت عملية تشيؤ السلوك البشرى قيام منهجيات جديدة تركز على صناعة القرارات الفردية للبشر ، وبيئة صناعة هذه القرارات ، وتأثير التجربة المعاشة للإنسان مع المكان ، وأثر ذلك فى فهم السلوك الإنسانى والقرارات الفردية والجماعية.والمرحلة الثانية تحمل معنى الثورة المنهجية بكل معناها ، لأنها تحدث تغيراً فى المناهج وطرق التقنية وأدوات البحث، بل لا نبالغ إذا قلنا أنها تحدث تغيراً جزئياً فى نظرية المعرفة الجغرافية عامة والنواحى التطبيقية خاصة ، أما المرحلة الثالثة فتعتبر حركة تصحيحية للمناهج الوضعية للوصول إلى سلسلة قوانين أكثر ملائمة فى تفسير الظاهرات الجغرافية فى الأمكنة خاصة الظاهرات المرتبطة بالإنسان.وإذا كانت الجغرافيا العالمية فى أزمة بسبب سرعة إيقاعات التطور فى علم المنهج الجغرافى ، فإن الجغرافية العربية والمصرية فى نكسة أو مأساة لتغييب الوعى الجغرافى عند أغلب الجغرافيين العرب ، بسبب تأخر متابعة التغير السريع فى إيقاعات منهجية البحث الجغرافى وإسقاط الأدب الجغرافى مع استمرار عمليات الاجتهادات العفوية، وبالتالى فإن المدرسة الجغرافية العربية تعانى من أزمة منهجية مستحكمة ترتب عليها تخرج أجيال ممسوخة من الجغرافيين تجهل الحديث من العلم وتفتقر إلى أصالة الرواد ، ولا يجب أن تتحمل الأجيال الحالية مسئولية هذا التردى فى الفكر المنهجى ، بل إن جيل الرواد يتحملون جزءاً من تلك المسئولية ، فبين الشح الفكرى للرواد فى التأليف فى مجال الفكر المنهجى وبين الفقر الفكرى للأجيال الجديدة خاصة فى مجال الترجمة ، ومن هنا تقع مسئولية تردى الفكر المنهجى الجغرافى.ويقدم هذا الكتاب محاولة من المؤلف لإضافة شىء جديد فى هذا الصدد ويسهم فيها بلبنة فى رأب صدع أزمة المنهج المستحكمة فى المدرسة الجغرافية العربية ، والدعوة مفتوحة للمجتهدين فى استمرار الدفع الفكرى الذاتى والمتتابع فى نفس الاتجاه .ويتألف الكتاب من اثنى عشر مبحثاً متفاوت الحجم ، وتحسم المباحث الستة الأولى الخلط القائم من نظرية المعرفة الجغرافية وعلم المنهج وطرق التقنية ، وتلقى الضوء على كل التعاريف المرتبطة بالعلم ومستويات الأمكنة وعناصر بحثها ، وتحديد موقع الجغرافيا بين العلوم البحتة والتطبيقية وتشخيص مراحل تطور العلم ، ويحدد الفكر الجغرافى بين أنماط الفكر العلمى ، وأخيراً يرسم شجرة الفروع وأقسام علم الجغرافيا.وتتناول المباحث الستة التالية مستويات البحث فى المنهج الجغرافى ، والمناهج التقليدية فى صورتها المعاصرة والمناهج الوضعية والمناهج الضابطة للوضعية ، وأخيراً المناهج الجغرافية فى التخطيط والتنمية ، وتتضمن هذه المباحث اثنى عشر منهجاً فعالاً فى البحث الجغرافى ، ويرسم كل منها أهدافاً بحثية بحتة ونفعية دقيقة ، وتؤهل من يفهمها التعامل مع قضايا التخطيط والتنمية ، ويتضمن كل منهج أمثلة تطبيقية تسهل فهم خطوات تطبيق هذه المناهج البحثية.والمبحث الأخير-الثانى عشر- جاء بعنوان نظم المعلومات الجغرافية والمشكلات البيئية، ويؤشر هذا الفصل فتحاً جديداً فى تطور علم المنهج الجغرافى وهى صناعة جديدة للتعامل مع نظم المعلومات المشتقة من كل أدوات البحث المتاحة ، وخاصة الصور الفضائية ، وتسخر فيها تكنولوجيا الاستشعار عن بعد لدراسة الأمكنة وصناعة القرارات ولنا وقفة طويلة معه فى مرحلة لاحقة فى الطبعة القادمة.ونحن إذ نقدم لتلاميذنا هذا الكتاب نستهدف منه التثقيف المنهجى وتأصيل الحس الجغرافى بالدراسة الواعية بالاهداف ، ولزيادة التحكم فى أدوات البحث وطرق التقنية ، ونحن نتمنى أن يستفيد منه الجميع ، ونرجو من الله الثواب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق