الأحد، 17 مايو، 2009

فلسفة التوحيد منهج النظام التشريعي

محاضرة القيت في المركز الاسلامي – لندنفي الخامس من رمضان- 1428 للهجرةبسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله المتفرد بالوحدانية، الاوحد بالصمدانية، لانظير له ولا كفوء، هو الله الواحد الاحد، وهو على كل شيء قديروالصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله الطيبين الطاهرينالسلام عليك ايها الحجة ابن الحسن عجل الله فرجكم الشريف السلام عليكم ايها الحفل الكريم في هذه الايام المباركة ورحمة الله وبركاته المقدمة: قبل اكثر من عشرين عاما سألني احد اتباع المدرسة الوجودية عن التوحيد، فطلبت منه ان يأتني بأسم عالم في الفيزياء الذرية ينكر ان الذرة هي الوحدة الاساسية في التكوين، فكان في جوابه : " انه لايوجد عالم ينكر هذا الامر"، فكان ردي: " أي شيء اصدق من هذا على وحدانية الخالق المكون للوجود ؟". فإذا آمنا بوجود وحدة واحدة للتكوين، يكون بالضرورة أن نؤمن بوجود مكون واحد وهو الله تعالى شأنه. فالتوحيد هو ليس مجرد تلك العقيدة التي جاء بها الانبياء والرسل عليهم جميعا صلوات الله وسلامه، ولا هو مجرد موقف لتبرير مسألة الوجود، كما هو متعارف عليه لدى علماء الكلام، ولكنه البرهان على خضوع كل الموجودات للخالق الموجد لها خضوعها له بالعبودية، وشهادتها له بالوحدانية، فقد شهد الله على نفسه بوحدانيته في قوله عزوجل: ( شهد الله أنه لا إله ألا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لآ إله إلا هو العزيز الحكيم ) آل عمران / 18. فهذه الاية الشريفة تضع أسس فهمنا لفلسفة التوحيد وعلاقته بالوجود، ففلسفة التوحيد جاءت لتفسر كل العلاقات التشريعية والتكوينية وتفاعلاتها في حياة الانسان، وهكذا تصبح العلاقة بين التوحيد والتشريع علاقة عضوية. حقيقة أن التوحيد هي العقيدة الاولى التي جاءت بها الرسالات السماوية لتضع بذلك أسس الوجود والتكوين والتشريع، لكن هذه الحقيقة لاتقف عند هذا الحد كما قلنا بل انها جائت أيضا لتكون منهجا لعلية الوجود، وهي بالتالي تفسر غائية المنهج الالهي في عملية الخلق: " وما خلقت الانس والجن إلا ليعبدون" الذاريات/56. لتصبح العبادة والتعبد لله احدى عليات (أسباب) الوجود، والله تعالى شانه هو من أظهر نفسه بالوحدانية فقال" قل هو الله احد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد ". الاخلاص/. ليصبح التوحيد ليس وصفا لغويا او معنى فلسفيا، بل ليكون منهجا عقائديا في العبادة، فالله هو وحده الذي تحق له العبادة، لتبطل بذلك مناهج التثنية والتثليث، ولتنفي وجود شريك أومثيل، ولترسخ فلسفة علاقة العقيدة بالحياة عبر مناهج التشريع، باعتبار ان النظام التشريعي الاسلامي يتاسس عند عقيدة التوحيد. فالمنطق العقلي يحكم بتعدد مناشيء التشريع في حالة تعدد مناشيء الوجود، ومن هنا قال الحق سبحانه: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فسبحان الله رب العرش عما يصفون" الانبياء/21-22. فتعدد الالهة سيعني تعدد مناشيء التشريع، مما يطرح وجوب التباين والتناقض المؤديان الى الفساد وفناء الخلق لتضارب المناشيء، فالموقف من التوحيد هنا ليس موقفا ميتافيزيقيا لكنه موقف واقعي، كما انه ليس موقفا فلسفيا مجردا، فحتى فكرة التعالي (التوحيد) عند الفلاسفة لاتكتسب واقعيتها إلا عبر الايمان بوجود الله، ومن هنا سنجد ان الفكر الفلسفي غير المرتبط بالتعالي ( التوحيد) هو فكر مستغرق في آنيته، وهو فكر غير مستقبلي في طروحاته. فالايمان بعقيدة التوحيد يعني أن تصبح عقيدة التوحيد تنظيرا مستقبليا للوجود، إذ لايمكن للوجود الكلي ان يوجد و يستمر دون عقيدة التوحيد، ففي فلسفة التاريخ مثلا باعتبارها نظرة شمولية الى التاريخ تعاصر الماضي والحاضر وتلقي نظرة على المستقبل، فهي تحتاج الى مفاهيم التعالي (التوحيد) حيث يمكن للانسان ومن خلال الوحي والسنن أن يدرك قيمة حركة الحياة، وبالتالي يدرك حدود ربط التوحيد بالشريعة. فالعلاقة بين الحياة والشريعة علاقة تلازمية، فالشريعة لازمة لاستمرار حركة الحياة، إذ لايمكن ان توجد للحياة قيمة دون التشريع، وهذا الاخير لايكون له قيمة إلا بالتوحيد. فلسفة التوحيد من موقف علاقة الانسان بالله: يتباين الموقف الفلسفي من علاقة الانسان بالله بين اصحاب العقائد والديانات، اعتمادا على نوع العلاقة وطبيعتها، فهل هي علاقة صاعدة (من الانسان الى الله أو ما يعرف فلسفيا بالجدل الصاعد والتي هي حركة الفكر المصاحبة لارتقاء النفس من عالم الماديات المتغيرة الى عالم المثل العليا ألذي هو الله تعالى شأنه) أم علاقة هابطة (من الله الى الانسان او ما يعرف فلسفيا الجدل الهابط أي الرجوع من عالم المثل العلوية أو الابدية – الله – الى العالم الارضي او الدنيوي) والجدل الهابط في الاصل هو نتاج لرؤيا افلاطونية قال بها بعد ذلك الفيلسوف (هيكل) تفسر موقفه من علاقة الانسان بالله، وتقول بحلول العقل الكوني أو الله في حركة التاريخ، حتى اصبح الله والتاريخ كيانا واحدا كما يرى هيكل في ذلك الوقت، وقد ادت هذه المفاهيم الخاطئة الى ظهور فكرة الحلول في بعض مسارات الفكر الديني. وقد تبنت كلا من الديانتين المسيحية واليهودية فكرة الحلول فالمسيحية ألهت السيد المسيح عليه السلام، منطلقة من رؤيا (الجدل الهابط) فجعلت من المسيح الها هبط الى الارض في شكل مولود ليخلص البشرية من آثامها، ( حيث جعلته ابنا لله حاشا الله الواحد عن ان يكون له ولد حسب مبدأ التثليث الذي تتبعة معظم الكنائس المسيحية – فكرة الآب والابن والروح القدس-). وقالت اليهودية ببنوة العزير عليه السلام، مما ينقض فكرة التوحيد لدى الديانتين السابقيتن وبالتالي ستتعدد المناشيء الاولية للتشريع وفق هذه الرؤيا الثنوية في اليهودية، أو التثليثية كما في المسيحية. وتعدد المناشيء سيعني إختلاف الشرائع وتباين الاحكام مما يوقع الخليقة في أشكاليات لا متناهية. أما العقيدة الاسلامية فتحدد رؤيتها من علاقة الانسان بالله إنطلاقا من( الجدل الصاعد) أي من الانسان الى الله، حيث يصبح التعبد (بمختلف اشكاله وحالاته) الشكل الوحيد لاتجاه هذه العلاقة ، فالمسلم يتحرك في عبادته باتجاه الله الواحد باعتباره الوحيد الذي يستحق العبادة، وباعتباره الموجد الاوحد والمشرع الاوحد في آن، والشريعة تضبط حركة الانسان لتضمن بقآءه على الخط الرسالي، كما إن حركة الانسان الى الله تفسر تطلع الانسان (النسبي) الى المثل الاعلى (المطلق أي الله تعالى)، فالانسان في عمل دؤوب للتخلص من الاشكال السلبية في علاقته عبر العبادة والعمل الصالح وصولا الى المعرفة الكلية أو حق اليقين، والانسان في حركته هذه يسعى الى تحقيق خلافة الانسان على الارض عبر التطبيق الواقعي للشريعة السماوية، فالشريعة جاءت لتبين السبل في تصاعد الفكر الانساني وتسامي النفس نحو المثل العليا. من هنا نرى أن موقف الانسان المسلم من التوحيد ينطلق من مفهوم أنه لاعبثية من وجود الوجود،" أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم الينا لاترجعون" المؤمنون/115 إذ ان اي مفهوم لايقول بوحدانية الله يقع في دائرة العبث واللامعقول وهي حالة تتناقض تناقضا اصيلا مع عقلانية التوحيد. وهكذا فالاسلام لايبني فكرته في التوحيد على أسس طوباوية، او عبثية، فعقيدة التوحيد عقيدة واقعية، يمكن التأصيل لها عبر كل طرائق الحياة. قد يفسر البعض تلك الثنائية المستمرة في الوجود ( الليل والنهار، الذكر والانثى، الشمس والقمر، الخير والشر... الخ) بانها نتاج لتعدد الالهة كما فسرها اصحاب التثنية من المانوية ( المانوية أو المنانية: نسبة الى ماني بن فتك المولود في بابل سنة 216 م وقد حاول ان يربط بين ديانته والديانات المسيحية والبوذية والزرادشتية وكان يعتبر بوذا وزرادشت والمسيح أسلافا له، ووضع لنفسه انجيلا، واتباع ماني هم من يسمون بالزنادقة) سابقا، ولكن الفكر الاسلامي الفلسفي يعتبر كل هذه الاشكال برهانا على وحدانية الخالق، فمثلا هل انفصل الليل عن النهار انفصالا واقعيا، بحيث كان هناك ليلا لوحده ونهارا لوحده؟ فحركة الزمن تكشف انه من الاستحالة في حالة الحياة ان يحدث هذا الانفصال، بل انه لايوجد منهج واقعي لحدوثه، فالليل والنهار في تتابع مستمر، يتوالد احدهما من الاخر كنتاج للحركة الكونية. والمرأة والرجل يشتركان في الصفات الاصلية وقد برهن علم الجينات أن كل منهما يحمل شيئا من جينات الاخر فلا انفصال خلقي بينهما. وكذلك الشمس والقمر، والخير والشر، فالحياة في تلاقح مستمر بين موجوداتها والوجود الكلي يحكم بالتنوع لكنه تنوع يتوحد في الاصل الاولي مؤكدا وحدانية الموجد لكل الموجودات وهو الله تعالى شأنه. ولا يخفى ان بعض المدارس الاسلامية قالت بالحلول كأحد اشكال اتجاهاتها الصوفية مثل عقيدة الحلاج ( هو ابو المغيث الحسين بن منصور الحلاج وهو اشهر من قال بمبدا الحلول والاتحاد ت 309). غير ان هذه العقائد قد انتهت لانها تبنت قيما سفلى، ولانها فشلت في تفسير العلاقة بين الانسان والله. الانسان وعلة الخلق: أن انتفاء نظرية العبث يقود الى تأكيد نظرية السبب أو العلة، ومن هنا ندرك حقيقة علية الوجود، لقد خلق الله الانسان كما خلق الوجود لعلة، إذ لايمكن فصل قانون الخلق عن قانون العلية، فقال: " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون " الذاريات/56. فالعلة هنا هي عبادة الخالق، وهي علة شمولية تفسر كل مفاهيم وقيم العبادة التي لاتقتصر على الاعمال العبادية المتعارف عليها من صوم وصلاة وحج وزكاة، بل جاءت لتعبر عن مطلق عمل الانسان باتجاه الخالق، وهي لا تحدد شكل معين أو حالة محددة من اشكال وحالات الاعمال العبادية. فالانسان وبقية المخلوقات يفترض ان يكونوا في حالة تعبد لاتنقطع، لكن العلة في موضع آخر تتخذ شكلا آخر كما في قولة تعالى شأنه: " إذ قال ربك للملائكة أني جاعل في الارض خليفة " البقرة/30 . وهي تطرح قضية الجعل الالهي، فالعلة هنا ان يكون الانسان خليفة الله في ارضه بكل ما تحمل الخلافة من قيم رسالية، وهذا العلة ليست بديلا عن علة العبادة، ولا تتناقض معها لا لغويا ولا فلسفيا، إذ ان علة الخلافة تقضي بانها لاتكون خلافة مرضية من الله عزوجل إلا إذا نهجت نفس المنهج الرسالي الذي اراده الحق سبحانه، ولن تتكامل قيم ومفاهيم الخلافة إلا من خلال النص الالهي، من هنا قال الله مخاطبا نبيه داود وهو خطاب لكل الانبياء والرسل: " إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله "ص/26. ولما كانت عقيدتنا تنفي عبثية الوجود، وأن الانسان لم يخلق عبثا وأنما خلق لغاية، فان منطق الغائية يقضي بوجوب ان توجد شريعة تنظم مسار الانسان في سبيل تحقيق غائية وجوده، وبالتالي يجب ان تكون هذه الشريعة تنطلق من مفاهيم امكانية التطبيق، فنظرية نفي العبثية التي قال بها الحق سبحانه: " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم الينا لاترجعون" المؤمنون/115 توجب ان تقع قواعد الشريعة في حدود الممكن كما قال عز من قائل: " لايكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " البقرة/286. وهذا من عدالة الخالق ولطفه بالعباد، والنظر في هذه الاية يعود بنا الى عقيدة التوحيد، فـ " لو كان فيهما آلهة إلا الله" لآتخذ التكليف شكلا آخر يتناقض و عقيدة التوحيد وينافي نظرية اللطف الالهي. يقول صدر المتألهين (الملا صدرا أو صدر الدين محمد بن ابراهيم القوامي الشيرازي ت 1050/1640): ( إن جميع افراد الناس متوجهون بحسب ما اودع الله في غرائزهم نحو المبدء الاعلى، فما من احد إلا وفيه الحركة المعنوية نحو الاخرة إلا انهم متفاوتون في هذه الحركة الجبلية )، فالانسان مجبول على فكرة التوحيد، كما وهو يحمل في داخله فكرة الغاية التي من اجلها وجد سواء ادركها الانسان بعقله او انها غابت عنه لتجاهله إدراكها. كما انه مجبول على فكرة وجود الخالق المكون، غير ان رفض الانسان للنص الالهي وإتباعه لهواه أبعده عن منهج التوحيد، ومن هنا ندرك أنه لايمكن إلا اتباع النص الالهي الكاشف لوحدانية الله وعلة الخلق، وما ذاك إلا لانه لا يمكن تشخيص المعلول (الانسان) إلا من خلال إدراكنا للفاعل الموجد الذي هو ( الله ) تعالى شأنه. أن فهم نظام العلية يقودنا إلى إدراك أستحالة وجود الموجودات بدون سبب، وحيث انه لاعبثية في الوجود فلابد ان تكون العلل تحمل قيما ايجابية، والانسان في خضوعة لنظام العلية يدرك قيمة وجوب التشريع باعتبارها قيمة ايجابية تنحو نحو تنظيم فعاليات الانسان وعلاقته بالخالق وبقية الموجودات. وبعد كل ذلك ندرك إن علة الخلق تمثل قيمة ايجابية يتحقق مفهومها في غائية المنهج الرسالي المتمثلة بالارتقاء بالانسان نحو المثل العليا. لاشك ان الانسان في حركته المستمرة نحو تحقيق هذه الغائية يتاثر بعوامل الزمان والمكان، كما يتأثر بعوامل النفس والمجتمع، لكنه في كل ذلك يبقى ضمن إطار علاقة الدنيا بالاخرة، إذ ان الفكر الاسلامي يناقض نظريات الفلسفة القديمة لعلاقة الانسان بالدنيا والاخرة، والتي بقيت تتنازع بين مفاهيم الخلاص الدنيوي والخلاص الروحي (الاخروي)، كما في عقائد المسيحية، فالفكر الاسلامي تجاوز هذه النظرة التجزيئية عبر نظرة كلية شمولية تجمع المادي بالروحي والارض بالسماء، مما يقدم تفسيرا اكثر واقعية لعلاقة الانسان بالحياة، باعتبار ان الانسان يبقى مشروعا حضاريا، والاسلام يطرح التعبد باعتباره معيارا لقيمة وجود الانسان على الارض كمعمر وبان لها وفق المشروع الالهي. فلسفة التشريع كقيمة بنائية: منذ البدء شكلت نظرية الجعل الالهي: " إذ قال ربك للملائكة أني جاعل في الارض خليفة " البقرة/30 . حدود مفاهيم وقيم وجود الانسان على الارض باعتباره مشروعا حضاريا مستقبليا يحقق عقيدة التوحيد، كما ان الغاية من الرسالات السماوية في تحملها لعقيدة التوحيد هي ان لاتبقى هذه العقيدة مجرد فكرة غير قابلة للتطبيق، ومن هنا جاءت الشريعة الاسلامية لتضع مناهج العقيدة في حيز التطبيق، فق سعت الشريعة الاسلامية لأن تؤسس في فلسفتها لنظرية معرفية تضع الانسانية على الطريق الصحيح لادراك قيم العقيدة التوحيدية، معتمدة بذلك على الانسان كعامل اساسي في حركة التغيير، عبر مسيرة التكامل الفكري والبناء الروحي والمعرفي والذي هو مهمة الانبياء والرسل والاوصياء من بعدهم على نبينا وعليهم جميعا أفضل الصلاة واتم التسليم. ولما كانت الشريعة قد وجدت لتنظم حياة الانسان، فالمنطلقات العامة لها تتجذر عن حدود حاجيات الانسان، فالانسان هو الذي تتوجه نحوه الشريعة في مناهجها، وهو الذي يقع عليه التطبيق، وهكذا يهدف المنهج التطبيقي للشريعة الى تحقيق حاجيات الانسان باشكالها الطبيعية والاجتماعية، كما النفسية والروحية، عبر أشكال لامتناهية من العلاقات التي يمكن ايجازها فيما يلي: أولا: علاقة الانسان بالخالق.ثانيا: علاقة الانسان بنفسه.ثالثا: علاقة الانسان بنظيره الانسان الاخر.رابعا: علاقة الانسان بالمجتمع.خامسا: علاقة الانسان بالدولة والتظام الحكومي.سادسا: علاقة الانسان ببقية المخلوقات الارضية.سابعا: علاقة الانسان بالكون والوجود الكلي.ثامنا: علاقة الانسان بالآخرة. (علما ان بعض الفقهاء يقتصر على اربع علائق او على ست علائق – كما يفعل شيخي واستاذي الحبر الرضي العلامة الكرباسي-) وفي تقديري ان العلاقات تقع في حيز اللانهاية، مستندا في ذلك الى نظريتي الاخيرة في التشريع والقائلة (بلانهائية حدود الشريعة)، فالحياة في تحركها المستمر، وتفاعلاتها المتسارعة، وما ينتج عنها بشكل لانهائي وبلا توقف من تاثيرات صارت تقاس بمعيارية تقدر (1/ ترليون)، يجعل من هذه العلاقات لاتقف عند حد معين، وهي في تبدل وتطور مستمرين مع حركة التاريخ. فالتشريع الاسلامي في ارتكازه على نظرية التوحيد يسعى الى تأكيد منهج شمولي يؤسس لثورة انسانية مستقبلية ستتحقق في ظهور الامام الحجة ابن الحسن عجل الله تعالى فرجه الشريف. هذه الرؤيا تكشف القيم البنائية للشريعة الاسلامية عبر مناهج عمل الشريعة، كما انها تلقي الضوء على غائية المسار التشريعي وصولا الى التكامل بين المادي والروحي، فالشريعة الاسلامية شريعة متحركة وغير جامدة، كما انها لاتفنى بعوامل الزمن، ولا تخضع للتقادم، وتحمل بنيتها التوحيدية عناصر الاستمرار، ليس فقط باعتبارها الشريعة الخاتم، ولكن بكونها تؤصل لنظرة مستقبلية في الوجود، فالانسان سيبقى موجودا حتى اليوم الاخير، ولن تتوقف حدود الشريعة إلا بالفناء الكلي قبل يوم الدينونة، وحتى في يوم الحساب فان الانسان سيتحمل ما أقر به من التوحيد والتصديق بالرسالات، وسيخضع في حسابة لتطبيقه حدود الشريعة وتجاوبه معها، أو لخروجه عليها، حسب مباديء الثواب والعقاب. ومن هنا يجب الانتباه الى مسألة وعي الامة بالعقيدة والشريعة ومناهج التطبيق، فالعقيدة الاسلامية تتمتع بالثبات البنائي، والخطوط العامة للشريعة هي الاخرى تخضع لقانون الثوابت، لكن المنهج التطبيقي للشريعة يتصف بالمرونة وهو يتفاعل مع حركة التاريخ وعامل الزمن، فالامة الاسلامية في حالة من التغير والتطور بشكل مستمر وفقا لسنن التاريخ، وهذا التحول المستمر يفرض تفاعلا مستمرا لمنهج الشريعة بما يتناسب وحاجات الانسان مع الحفاظ على الاصول التشريعية، وهكذا جاء الاجتهاد بعد عصر الغيبة الاولى (329/940) ليضع الامة امام مسؤولياتها، وليساعد على انضاج الوعي الجمعي بقيم الشريعة وطروحاتها. لا شك ان الشريعة الاسلامية تتصف بالشمولية والاطلاق، وهي لاتقف عند حدود الآني والمرحلي، بل أنها تجعل الانسان يلقي نظرة بعيدة باتجاه المستقبل، أليست : " الدنيا مزرعة الاخرة " كما يصفها سيد البلاغة أمير المؤمنين علي عليه السلام. نظرية دولة التوحيد في الشريعة الاسلامية: لقد سعت عقيدة التوحيد لوضع الاسس لدولة مستقبلية تطرح افقا كونيا في التفاعل مع الوجود لكلي، فالانسان الخليفة (الامام المعصوم) يحمل رؤيا تحرر الامة من حالة الانحطاط والركود، فقد شهد الفكر الاسلامي سقوط الحضارات وانهيار البناء الفكري والوجودي لكل الدول والامبراطوريات السابقة والمعاصرة، كما نقض الفكر الفلسفي من أرسطو وإفلاطون الى هيكل والى فوكوياما في تفسيرهما لكل من التاريخ والدولة، فالفكر الاسلامي المتمثل بمدرسة اهل البيت عليهم السلام تمكن من الصمود مرتكزا على اصالته الالهية وهو يشهد انهيار الحضارة الغربية، إذ ان مفاهيم نظرية الدولة الاسلامية تعني ترابطا بين الانسان والسماء عبر الامام المعصوم الذي يمثل سلطة الوحي، مما يطرح فكرة عودة الدولة الالهية الى الوجود مقابل الحضارة الغربية السائرة في طريق الهلاك. من هنا ستمثل دولة التوحيد نهاية التاريخ بصيغة اسلامية مما يطرح مفهوم إنهيار الفكر الوضعي بشكله الحالي. لاشك ان الاسس المعرفية التي تقدمها عقيدة التوحيد تتجلى في البناء التشريعي في رؤياه المستقبلية، فالاسلام يسعى الى تأسيس دولة الهية كونية يقودها الامام المعصوم. ومن هنا ولأننا لا نفسر التطور والتاريخ المستقبلي في الفكر الاسلامي باعتبارهما مجرد تحقيقا للسنن الالهية الثابتة، ولكن باعتبارهما عبادة تفسر علاقة الانسان بالخالق عبر تمسكه بالمثل العليا. فإن النظرة المستقبلية تقضي بان يكون الانتظار تعبدا باعتباره إستمرارا لاشكال علاقة الانسان بالله، وهذا التفسير لم يأتي من فراغ، فالعقيدة الاسلامية تفسر الانتظار ( انتظار ظهور الامام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف) باعتباره عبادة يتلقى المتعبد على اثرها الثواب، والانتظار كما قلنا ليست نظرية ماورائية ( ميتافيزيقية) ولكنها عقيدة تحدد مستقبل الانسان المسلم المتطلع نحو الاتي في تحقيقة لنظرية الدولة الالهية. ولما كانت الشريعة الاسلامية هي الاداة الافضل لتحقيق مباديء العقيدة ولطرح مناهجها، فالترابط بين الشريعة والدولة يصبح هو الاخر ترابطا عضويا. لاشك ان الامة الاسلامية في مسارها لتأسيس نظام الدولة هي تسعى لتحقيق فكرة الاسلام دين ودولة والذي يمثل ذلك الترابط بين الاني والكلي، أو بين الانسان والله، فالفكر الاسلامي قد سبق المناهج الديمقراطية الغربية في فهمها للدولة بعد ان طرح نظرية (الدولة الالهية)، بل انه تجاوز كل هذه المناهج الوضعية بعد ان كان قد أسس من البداية لنظرية خلافة الانسان (المعصوم) على الارض. فهو يحمل منذ البداية بذرة الدولة المستقبلية في الاطار الشرعي، وقد ادخرت الرسالة السماوية إنسانا بمواصفات خاصة ليقود هذه الدولة، وهذا ما يؤكد مرة أخرى لاعبثية الرسالة الاسلامية، كما يؤكد دور الانسان في حركة التاريخ، ليس باعتباره جزء من حركة التاريخ ولكن باعتباره عنصرا فاعلا ومؤسسا فيها، فالاتجاهات الحضارية في الفكر الاسلامي ترفض الركود او الجمود عند نقطة العجز، وهي تتطلع الى التفاعل المستمر في حركة الحياة، فقد جاء الرسول الخاتم صلوات الله عليه وآله ليصنع من المجتمع الاسلامي الصغير الذي ظهر في مكة قبل خمسة عشر قرنا مجتمعا كونيا، ثم جاءت الامامة لتقود هذا المجتمع في حركة تفاعلية مستمرة، ليصبح الانسان المسلم هو من يضع نهاية التاريخ عبر الدولة الاسلامية الكونية في اطرها الالهية، مما يؤكد أستمرارية الشريعة في منظورها الحضاري. لاشك أن الشريعة الاسلامية قد ساهمت الى حد كبير في تطوير الوعي الجمعي بضرورة البناء والتطلع المستقبلي، فالفكر الاسلامي فكر متحرك عبر الزمان والمكان، وهو لايخضع للحتمية الانية، بل يصنع مبدا الحتمية التاريخية وفق أطر مستقبلية شكلت عقيدة الانتظار احد اهم معالمها، ونحن نتعامل مع عقيدة الانتظار باعتبارها موقفا شرعيا، يحتكم الى حتمية انتصار الحق، باعتبار خاتمية الشريعة الاسلامية التي كرست منهج التشريع الرسالي منذ تاريخ الهبوط ( هبوط آدم عليه السلام بحدود 6880 قبل الهجرة) وحتى نهاية الحياة الدنيوية ببداية يوم القيامة حين يتم إدراك حق اليقين ممثلا بذلك أقصى مدركات الوعي الانساني. الخاتمة: نقول ان التوحيد هو عقيدة الانبياء والرسل، وهي الفطرة التي فطر الله الناس عليها فقال تعالى شانه: ( فاقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لايعلمون ) الروم/30. فالمخلوقات مجبولة على عقيدة التوحيد، ولكن هذه الجبلة وهي إحدى مناهج الهدى لاتكفي الانسان ليدرك معاني علاقته بالخالق ثم بالوجود الكلي، فانزل الله عزوجل شريعته ليبين للانسان سبل التواصل مع الله، ولتضبط الشريعة مسارات حياة الانسان في تحركه عبر الزمان والمكان، ولتنظم شؤون حياته وعلاقاته اللامتناهية، والشريعة الاسلامية تحمل في مبدئها فكرة الاستمرار باعتبارها الشريعة الخاتم، وهي بذلك تطرح مشروعا حضاريا في قيام دولة التوحيد بقيادة الامام الحجة عجل الله فرجة الشريف، وهكذا ثمة ترابط وتلازم بين عقيدة التوحيد والشريعة الاسلامية، إذ لايمكن للشريعة ان يكون لها معنى إذا لم تكن ترتكز على عقيدة التوحيد في منهجها التأسيسي، وقد تمكنت على الدوام من الوقوف بوجه الفكر الوضعي ناقضة مناهجه من جهة، وكاشفة أشكاليات القصور التي وقع فيها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته المملكة المتحدة – لندن الخامس عشر من شعبان 1428 28 / آب / 2007

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق