الثلاثاء، 12 مايو، 2009

المنهج الدستوري في النظام القضائي السعودي الجديد 1

باتت تفصلنا أسابيع قليلة على سريان النظام القضائي الجديد في المملكة العربية السعودية الذي صدر في الربع الأخير من عام 2007 في تبني متقدم للعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز لإصلاح القضاء، حيث قرر اعتماد النظام القضائي السعودي الجديد. ومع تزاحم الأحداث على الساحتين الإقليمية والدولية وفتور القطاع الثقافي الوطني في الداخل انزوى الاهتمام بهذا النظام، ولم يأخذ في تقديري الحيز المناسب من التحليل والقراءة الموضوعية.يُعد النظام الجديد بكل المقاييس نقلة نوعية فريدة في سجل التطور لأنظمة وقوانين الدولة وخاصة في مجال القضاء الشرعي الذي يُنظر إليه من زاويتين مختلفتين، الأولى كون هذا القضاء معتمد في أصله التشريعي على النصوص القاطعة التي تجعل الشريعة الإسلامية المرجع الوحيد والحصري لأي نوع من أنواع التنازع القضائي، هذا من الناحية النظرية المُعلنة، ومن زاوية أخرى ما حصل طوال هذه السنوات الماضية من رؤى نقدية صدرت من توجهين مختلفين الأول المرجعيات الدولية ومعها بعض القوى المرتبطة ثقافياً بالطرف الإقليمي في الخليج شنَّت فيه هذه المرجعيات سواءً كانت عواصم سياسية أو شخصيات دبلوماسية أو منظمات حقوقية حملة عنيفة على حالة القضاء السعودي ووضعه القانوني، وكان المعتمد في ذلك المرجعية العلمانية الحادة والمصالح والأطماع لتلك المرجعيات والقوى.غير أن هذا التحامل لا يلغي وجود قضايا عديدة تستدعي المراجعة والتصحيح مع فراغ دستوري في آلية النظام وقعت خلال الأعوام الماضية، وكانت تقع في السابق لكن عدم التسليط الإعلامي عليها لم يبرزها على الساحة الوطنية والعربية والدولية، ومن هنا يأتي التوجه الآخر لنقد القضاء من خلال الطرف الوطني الإسلامي الحريص على تحقيق مقاصد الشريعة وتنفيذ الأحكام بحسب ما نصت عليه أحكام الشارع القائمة على أصول العدل التشريعي والتنفيذي لكل المتخاصمين.إن غياب هذا المدار العدلي في بعض الحالات وعند بعض الشخصيات القضائية جعل هذا الفريق الاصلاحي يعتقد أن حالة النقد الداخلي والمعاناة الشعبية إنما حصلت من التفريط في تحقيق هذا المدار العدلي في التشريع والذي يوجب استكمال كل الجوانب الإدارية والحقوقية للمتقاضين لأن الوصول للحكم العادل لا يتم في أحيان كثيرة إلا عبر هذه الوسائل المساعدة ووفقاً للقاعدة الشرعية ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، هذا الأصل الذي رأى فيه الفريق الإصلاحي من داخل مؤسسة القضاء ومن خارجها أن تحقيقها نظامياً وإلزامياً سوف يعطي الهوية الحقيقية للقضاء في الشريعة الإسلامية، وينعكس تلقائياً على الأحكام وبالتالي طمأنينة المواطن والمقيم.وبناءً على ما تقدم فإنني أعتقد أن النظام وإن لم يكن كاملاً في تحقيق وسائل هذا المدار إلا أنه حوى العديد من المواد الرئيسية المهمة التي لو فُعِّلت لقادت بالفعل إلى خطوات إصلاحية كبيرة في نظام القضاء وأبرز ما ورد منها ما جاء في هذه الفقرات:أولاً: انتقال نظام القضاء الإسلامي السعودي إلى حالة التقنين وتنظيم المرجعية القانونية وإن كانت في الإطار العام وليس في إطار الأحكام التفصيلية.ثانياً: النص على استقلال القضاة، حيث نصَّ النظام القضائي على أن (القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم غير أحكام الشريعة الإسلامية وليس لأحد التدخل في القضاء) وأيضاً نصَّ النظام على أنه (لا يجوز مخاصمة القضاة بسبب أعمال وظيفتهم) وأن هذا الاستقلال لا يخضع لقيود التعيين.كما نصَّت مواد النظام على إعادة تنظيم الدائرة القضائية بما يكفل سعة التطبيق وتوسيع دوائره لتحقيق العدالة التي هي مناط أحكام الشريعة، ونصَّ هذا التصنيف على محاكم عليا واستئناف ومحاكم من الدرجة الأولى، كما تضمَّن التنوع في اختصاص المحاكم تجارية وجنائية وعمَّالية وحقوقية وأحوال شخصية. وهذا التصنيف للمحاكم ومن خلال الفهم الخاطئ المتحفز كان دائماً يُقلق المدرسة الإسلامية المحافظة خشيةً من إخضاعها إلى نظم وقوانين خارج إطار الشريعة الإسلامية، ومن هنا تبرز مسألة مهمة أحسبها تندرج في إطار واجبات التيار الإسلامي المحافظ المتمكن من القضاء وذلك عبر تحقيقه كل جوانب الإصلاح الإداري والتثقيف القانوني وسعة اطلاع القضاة بالحياة الاجتماعية والفكرية للمواطنين والمقيمين مع قراءة شرعية واقعية للكثير من المواد القانونية التي تقنن في مدونات العقود الدولية والتجارية وهي في الأصل لا تصطدم مع أحكام الشريعة الإسلامية القطعية الدلالة والثبوت بل والراجحة لدى جمع من العلماء بحسب مدارات الاجتهاد الفقهي لعلماء الشريعة المتقدمين والمتأخرين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق